بافي فالي
مرحبا بكم في منتدا بافي فالي
اذا لم تكن عضو فا يرجا منك تسجيل في منتدا
مع تحيات مدير العام :بافي فالي أهلا وسهلا بكم
http://illiweb.com/fa/favicon/smiley.ico


هلاوسهلا بكم في منتدا ((بافي فالي)) ذا لم تكن عضو فا يرجا منك تسجيل في منتدايانا موقع الحسكة يرحب بكم في اي وقت او في اي ساعه مع ((بافي فالي )) ...........
 
البوابةالرئيسيةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتهلا تعلمالتسجيلدخول

مرحبا بكم في موقع بافي فالي اذا لم تكن عضو فايرجا منك تسجيل في موقع واهلا وسهلا بكم في موقع

     (((((((((((BAVE*7*FALE))))))))))))))

الحسكة ورود قامشلي*•أكـ الحـسكةوالقـامشلي ـراد•*

BAVE*7*FALE
منورين شباب ( ابـــــو رامــــي -عــــادل بافي ميرال -دافووووووووووو   _ريباز_عبدوو -لاترحل-)
المواضيع الأخيرة
» صور بافي فالي1
الجمعة سبتمبر 30, 2011 11:24 am من طرف ADMIN

» بافي فالي1
الجمعة سبتمبر 30, 2011 11:06 am من طرف ADMIN

» صور بافي فالي
الجمعة سبتمبر 30, 2011 10:54 am من طرف ADMIN

» لماذا الناس يبكوم
الخميس سبتمبر 29, 2011 4:25 pm من طرف بافي ميرال

»  موقع الفيسبوك فيس بوك هو موقع يتيح للأشخاص التواصل مع الأصدقاء و اقاربهم و من الأشخاص الذين يعشقون التعارف و كتابات المقالات
الخميس سبتمبر 29, 2011 4:19 pm من طرف ADMIN

» العاب فلاش مجاني العاب فلاش
الثلاثاء سبتمبر 27, 2011 5:47 pm من طرف ADMIN

» اجمل ساعات الحب متحركه
الثلاثاء سبتمبر 27, 2011 5:45 pm من طرف ADMIN

» اجمل رجل بل عالم
الثلاثاء سبتمبر 27, 2011 5:36 pm من طرف ADMIN

» صور لاب توب
الثلاثاء سبتمبر 27, 2011 5:26 pm من طرف ADMIN


شاطر | 
 

 قصص ابن خواجه 2

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ADMIN
Admin
Admin


عدد المساهمات : 53
نقاط : 150171
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 20/07/2011
العمر : 21
الموقع : WWW.ARAM112.COM

مُساهمةموضوع: قصص ابن خواجه 2   السبت سبتمبر 24, 2011 3:47 pm

(12)
وافق أن يذهب معهم إلى بيت أبيه ..
وقبل أن يذهب توجه إلى الشيخ محمد رشيد رضا ..
وكان يختلف إلى مجلسه من وقت لآخر ..
ونفض إليه جملة الخبر ..
فبين له الشيخ ما غاب عنه ..
وأيده بالأدلة من الكتب القديمة بوجه خاص ..
كإظهار الحق ومقامع الصلبان، وشروح أهل الكتاب، وكيف يرد على شبهاتهم ..
وذهب في الموعد لدار أبيه ..
لقد أنفق أبوه عن سخاء لإنقاذ ولده الأكبر عما هو فيه ..
وليمنعه مما هو مقدم عليه ..
إلى أن أتى الموعد المضروب لرجال اللاهوت ..
فعجل والده بجلسة سريعة يمهد بها للجلسة الكبرى ..
فربما يرجع الابن عن قريب ..
بدأت الجلسة هادئة ..
والكل ينصت لما يدور من قرع الحجة بالحجة ..
والنصوص حاضرة تتلى من مراجعها ..
على مسمع من الجميع ..
ولم يعد كبير مجال للتهوين من تصرف الطبيب الشاب ..
على أنه رأي فرد ضال كما ذكرمن قبل من أنه وقع تحت جو عام من الإغراء الذي أحاطه رفاقه به ..
وأدرك الحاضرون أن الأمر في غاية الجد ..
فشددوا هجومهم ..
لكنهم وجدوا لكل سؤال جواباً ..
ثم وجهت لهم منه أسئلة مضادة ..
استشعروا وهم يجيبون عنها أن ألسنتهم كانت تلوك العبارات في غير وعي ولا تعقل ..
و كانت مناقشة طويلة جداً جداً ..
من أقوى المناظرات في نقد عقائد النصارى ..
عكست مدى تعمقه في تلك الفترة في دراسة العقائد النصرانية وأيضاً في دراسة الإسلام ..
و تكلم فيها كلاماً مفصلاً جداً وألجمهم فما استطاعوا أن يردوا عليه بكلمة واحدة ..
ومما ناقشوه:
التجسد، الأقانيم الثلاثة، البنوة، جرأتهم على الأنبياء، دعوى أبوة الجسد ليوسف النجار، الصلب وأصله الوثني، والقيامة ..
وفي الإسلام: حقيقة الوحي، حقيقة القرآن، حيرة أهل الكتاب من إعجاز القرآن، وكان يسرد الكلام بأسانيد علمية في غاية القوة ..
فأنهوا الجلسة ...
واتفقوا أن يخرجوا بقرار هو أن يحشدوا له فريقاً من أكبر علمائهم حتى يناظره في جلسة تالية ..
حتى بلغ من تأثير الطبيب عليهم أن باتت القضايا التي كانت عندهم يقيناً معلقة ..
حيث قالوا عنها هذه معلقة لا نستطيع أن نرد عليك فيها ..
واهتزت النصوص التي طالما حفظوها على شفاههم ..
وعادت أسئلتهم من عنده بغير معنى ..
وأيقنوا أن اللجنة قد عجزت ..
فماذا كان الجواب؟؟
أعلنوا في هذه الجلسة على الجميع ..
أن عبده إبراهيم عبد الملك ابن الخواجه إبراهيم عبد الملك من أسرة كذا التابعة لكنيسة كذا قد حلت عليه اللعنة الأبدية في هذه الكنيسة ما لم يرجع إلى رحمة أبينا يسوع المسيح مخلصنا وراعينا وأن اللجنة رحمة به وحنواً على أبيه المسكين قد منحته فرصة العودة إلى دين آبائه وأجداده بالحضور يوم الأحد في ذات المكان أمام عدد من الآباء لنصحه وهدايته نسأل إلهنا وأبانا ... إلى آخر كلامهم من الشرك والكفر ..
لقد كان بعض الحاضرين من النصارى متشوقين إلى استمرار الجلسة ..
من شدة تعطشهم إلى سماع إجاباته والاستزادة من علمه ..
فقد سمعوا لأول مرة فكراً جديداً ونقاشاً فريداً ودفاعاً عنيداً ..
جعلهم في شوق إلى معرفة نتيجة محددة ..
خاصة لما رأوا القساوسة قد عجزوا أمام هذا الفرد ..
الذي تخلف عن السير في موكب آبائه وأجداده ..
فهاجوا وماجوا وتدافعوا وتصايحوا ..
لكن كبير الجلسة نصحهم بالهدوء حتى لا يشرد منهم هذا الخروف الضال ..
ووعدهم بأن يوم الأحد قريب ..
وأنه جمع للمباهلة فحول علماء أهل الكتاب والمفسرين وخبراء التبشير الراسخين ..
فهدأت ثائرتهم ولكن إلى حين ..
وجاء يوم الأحد الموعود ..

(13)

جاء يوم الأحد الموعود..


واحتشد الأهل والأقارب ..
وكل من يهمه الأمر ليرى هزيمة هذا الطبيب الذي خدع وصبأ عن دينه الحق ..
إلى دين المسلمين ..
وهم يهددونه ويتوعدونه لئن لم ينته عما هو مقدم عليه ليمزقنه إرباً ..
ويصيرونه عدماً ..
وأن هذه هي الفرصة الأخيرة ما لم ينصع إلى دين يسوع المسيح..
ثم انبرى كبير القساوسة في الجلسة ..
وهو يتطاول في كرسيه يتيه على الحاضرين بما حفظه ولقنه قريباً في الكنيسة..
فقال من كلام الشرك والتثليث ما هو من دينه ..

ثم رد عليه الطبيب الشاب فقال:
بسم الله الرحمن الرحيم..
إله واحد ..
فرد صمد ..
لم يلد ولم يولد ..
ولم يكن له كفواً أحد ..
سلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين ..
فضل المسلمين بالإيمان على جميع الأجناس ..
وجعلهم خير أمة أخرجت للناس ..
أوحد الله بموجبات توحيده ..
وأمجده سبحانه حق تمجيده ..
وأومن به وبملائكته وكتبه ورسله ..
لا نفرق بين أحد من رسله ..
ولا أشرك بعبادته سبحانه أحداً ..
وأصلي وأسلم على من جاء بالهدى ..
خالص أصفيائه وخاتم رسله وأنبيائه ..
سيد ولد آدم ..
بعثه ربه في الأميين ..
ليخرج البشر من الظلمات إلى النور ..
ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ..
وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ..
صلى الله عليه وسلم من نبي كريم ..
على خلق عظيم ..
بعثه الله على فترة من الرسل ..
موضحاً للسبل ..
داعياً إلى خير الملل ..
ملة إبراهيم ..
ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ..
وما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً ..
وما كان من المشركين ..
وإن الدين عند الله الإسلام ..
ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه ..
وهو في الآخرة من الخاسرين ..

فرد عليه أحد القساوسة:
عجيب أمرك أيها الفتى الضال ..
وعجيب أمر أصحابك الذين أضلوك عن كتابك ..
فلقنوك من الكلام ما قد سمعناه منك الآن ..
حتى صرت أشد منهم حماساً لدينهم، وأحفظ منهم لآيات كتابهم ..
فأصبحنا نراك وأنك قد نسيت دينك ودين آبائك ..
وهو الدين الذي عليه نشأت وترعرعت، فربى عقلك وأصلح فساد نفسك ..
فرد عليه عبده:
والله الفرد الصمد الواحد الأحد ..
ما أضلني ولا أغواني منهم أحد ..
وإنما هداني إليه ربي ..
وساقني إليه فطرتي ..
واختاره لي صحيح عقلي ..
ودلني عليه عافية نفسي ..
فرأيت فيه ما لم أره في غيره من الشرائع والأديان من النور والهدى والحق والصدق
فتمسكت به ..
ولزمته لأني وجدت فيه تمام عقلي وصلاح أمري ..
ومنطلق فكري وشفاء روحي ..
وجواباً راجحاً لكل سؤالي ..
فليس هذا الدين كدينكم ..
الذي يمجد الفقر ..
ويسوغ الذل ..
ويورث العقل الخلل ..
ويحيل المرشد سفيهاً والمحسن مسيئاً ..
لأن من كان في أصل عقيدته التي جرى نشوءه عليها الإساءة إلى الخالق ..
والنيل منه بوصفه بغير صفاته الحسنى ..
فأولى به أن يستحل الإساءة إلى المخلوق ..
فكيف أترك ما هداني الله إليه من الكمال والنعمة ..
بعدما بان لي من جهلكم وتحريفكم لدينكم ..
ولست مجادلكم إلا بالتي هي أحسن ..
فما في الإسلام من حث على مخاصمتكم ومعاداتكم ..
بل هو أرحم عليكم وأحنى حتى من دينكم لكم ..
فتعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ..
ألا نعبد إلا الله ولا نشرك بعبادة ربنا أحداً ..

صاح أحدهم:
بل نقرعك الحجة بالحجة ..
فإن كانت لنا الغلبة عدت إلى دين الخلاص ..
وإلا تركناك تتخبط فيما مسك من جنون ..
فتكون من الخاسرين الذين تصيبهم لعنة الرب إلهنا يسوع ..
قال الطبيب الشاب:
قبلت التحدي ..
ووالله إن ضلالاتكم قد سارت مسير الشمس ..
وبواطلها قد لاحت لعيون الجن والإنس ..
فوالله لا يخذلني الله أمامكم ..
وأنتم قوم غيّرتم فغيّر بكم ..
وأطعتم جهالاً من ملوككم ..
فخلطوا عليكم في الأدعية ..
فقصدتم البشر في التعظيم بما هو للخالق وحده ..
فكنتم في ذلك كمن أعطى القلم مدح الكاتب ..
على حين أن حركة القلم لا تكون بغير الكاتب ..
وها أنا ذا على قصور سني وإغفال المطالعة أقبل منازلتكم ..
فهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ..
.........
ودار حوار طويل جداً ..
لثلاثــــــــــــــــــــــــــــــــــــة أيـــــــــــــــــــام ..

.........
(14)

لقد أحرجهم الطبيب جداً ..
حتى كانوا كل جلسة يستعينوا بقساوسة جدد ..
بعد أن وقعوا في حصار أسئلة لا يستطيعون الإجابة عليها ..
وأمام حجة لا يملكون الصمود أمامها..
وفي نهاية الحوار ..
قال عبده:
فماذا أقول لكم ..
وقد جئتم لتقولوا لي فقلتم وقلت ..
وأضللتم وأوضحت ..
وكذبتم وصدقت ..
ودعوتم علي ودعوت لكم ..
وأهنتم محمداً صلى الله عليه وسلم وعظمت عيسى عليه السلام ..
وحاولتم طعن القرآن فما استطعتم ..
وحاولتم ستر كتبكم فانكشفتم ..
وأنهكتموني علّي أضل، وأنهكت نفسي علّكم تهتدون ..
وقد آذيتموني بأيديكم وتلطفت معكم بكلامي..
وهاهو اليوم الثالث ينقضي ..
وقد اهتزت في نفوسكم عقيدتكم ..
وثبتت في نفسي عقيدة الإسلام ..
وأنا أعلم مما علمنيه ربي في القرآن أنكم لن ترضوا عني حتى أتبع ملتكم ..
ولكن كيف أبيع الهدى بالضلال، وأشتري الباطل بالحق ..
ولكنكم أهلي وعشيرتي ..
وقد أمرني ديني الجديد ..
أن أصحبكم في الدنيا معروفاً ..
فهلموا إلى دين الله لتربحوا ..
قال تعالى:
(( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ))
أسأل الله أن يكشف ما بكم من الضلالة وأن يتلقاكم بالهداية ..
وصدق الله تعالى إذ يقول
(( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء))
صدق الله العظيم ..

وما كان الطبيب الشاب يفرغ من تلاوة الآية ..
حتى أدرك الجميع أنه قد خرج من حظيرة الكنيسة ..
إلى غير عودة ..
فتدافعوا يفرطون في إيذائه ..
ولم ينتهوا عنه إلا حين علا صوت الكاهن الكبير ..
وهو يعلن فيهم أن اللجنة قد أيقنت بأن عبده إبراهيم عبد الملك ابن الخواجه إبراهيم أفندي عبد الملك من أسرة كذا التابعة لكنيسة كذا قد حلت عليه اللعنة الأبدية وأنه مطرود من رحمة أبينا، يسوع المسيح مخلصنا وراعينا، وأنه ..
الخ من كلامهم الذي يقولونه في أمر كهذا ..

ولكن مأساة الطبيب الشاب لم تنته بعد ..
فقد ذاق (أمرّ) البلاء ..
مع الطرف الآخر أيضاً ..
مع (المسلميــــــــــــــن)
فإلى جانب آخر من حياته ..


(15)

ما كاد الكاهن الكبير يلقي بيانه ..
وقد تعلقت الأنفاس من رهبة الموقف ..
حتى حل الهرج والمرج محل السكون والوقار ..
وارتفع الصخب فجأة بأخلاط من الأصوات ..
فهذا نحيب وهذا نواح وهؤلاء رجال أفزعهم المصير الذي ينتظر فتى كان من خيرة شبابهم ..
الذين كانوا يباهون بهم المسلمين ..
وتلك نسوة تجمع بين البكاء وبين أقبح الأصوات ..
وإذا بالطبيب الشاب يشهد للمرة الثانية موقفاً مزعجاً في نفس المكان ..
فقد كان فوجئ بقرار المحكمة قبل تمام المحاكمة ..
ولذلك بقي في مكانه مشدوهاً حال تلاوة البيان ..
وإذ بدأ الهرج والتدافع بالأيدي والمناكب ..
تسلل من مجلسه إلى خارج الدار ثم إلى مسكنه المتواضع ..
وقد تملكه شعور لم يكن يحس به من قبل ..
فلقد رأى لأول مرة رجال الدين الذين يتخذون من الهداية والإرشاد وسيلة لكسب المعاش
يتصرفون على نحو أذهله ..
فخالطه شعور بالعطف على عامة الناس الذين يلتمسون عندهم الرشاد ..

قال الطبيب لصاحبيه:
لقد احترمت هؤلاء الناس حين ثبتوا ودافعوا عن أمور خيل إليهم أنها صواب ..
وكان ذلك في أول لقاء لي معهم ..
ولكن حقيقة أمرهم تكشفت لي في المجلس الثاني ..
حين باهلتهم ثلاثة أيام طوالاً أقدم لهم الدليل تلو الدليل ..
وأقرعهم الحجة الهزيلة عندهم بالحجة القوية عندي ..
وقد كنت أظنهم بما يحملون من مناصب دينية عالية أهل حجة وأصحاب عقل ونظر ..
لكنني فوجئت بهم يفرون من الميدان مخافة أن ينكشف ما هم عليه من جهل وصغار ..
وإني لأعلم أنهم يأكلون السحت ..
ويجعلون رزقهم أنهم يكذبون ..
ألا ساء ما يزرون ..
قال له صاحباه:
أو لم يكف ما لقيته من دعوتك الناس إلى الرشاد، فجئت تخطب فينا ..
قم الآن يا رجل إلى كتبك فأقدامك لم تثبت بعد على الطريق ..
وعليك أن توفر ما بقي من مراحل في الحصول على الإجازة العلمية ..
ومن ثم الوظيفة التي ستقيم أودك ..
وكان ما نصحوه به ..
فانقطع لدروسه بضعة أشهر كد فيها واجتهد ..
حتى تخرج طبيباً يمارس المهنة الإنسانية ..
ونظر الطبيب الشاب من حوله باحثاً عن مجتمع يعوضه عن أسرته التي لم تهتد ..
فإذا النصارى يحوطونه بنظرات الحقد والمرارة ..
وإذا المسلمون يترقبونه في حيطة وحذر ..
فرغب في البعد عن الناس طلباً للهدوء ..
ومزيد من الاطلاع،
فلم يجد خيراً من أن تكون خدمته الوظيفية ..

في السجــــــــــــــــــون ..



(16)

بدأ الطبيب الشاب عبده حياته الوظيفية عام 1905 ..
طبيباً لبعض السجون بمديرية الجيزة ..
فتهيأ له بذلك البعد عن المجتمعات من جهة ..
وقربه من القاهرة من جهة أخرى ..
كان يقضي ساعات العمل في مكتبة من مكتبات السجن ..
وكانت له دار ملحقة بالمبنى ذاته ..
وحول هذه الدار حديقة صغيرة ..
وعاش حياته بين السجناء متعايشاً معهم ..
لكنه كان في وحشة شديدة في دخيلة نفسه ..
وأشار إلى زميله صدقي أنه يريد أن يستقر في دار وأسرة ..
فإن رزقه الله بزوجة صالحة ..
فإن حديقة السجن ستكون في تقديره جنة نعيم ..
وقد ذكر لصاحبه مواصفات معينة يريدها في زوجته ..

أخلف صاحباه شروطه ظناً منهم أن موضوع الزواج سيستمر ..
عند اختيارهم لزوجة له ليست على ما اشترط ..
فلما رآها نفر منها جداً ..
وكان قد أعلن حفل الزواج بعد أيام قليلة ..
هذا الحدث أحدث ردة فعل شديدة جداً على أهل خطيبته ..
وبدأوا ينشرون إشاعات كثيرة جداً حوله انتقاماً منه ..
وأشاعت أسرة الخطيبة أنها قد اكتشفت أن عبده كافر متلاعب ..
وأن له زوجة وأولاد من دينه الأصلي ..
وقد اكتشفوا ذلك وغيره مما لا يجب التكلم عنه، وهم لذلك رفضوه وطردوه ..
تناقلت الأسر فيما بينهم هذه القصص والشائعات ..
وكل من يسمعها كان ينقلها بعد أن يضيف عليها كل جديد وغريب ..
وأنه كان أول من رأى وعاين وتأكد واكتشف بذكائه على غير ذلك مما يظن الرواة أنه يزيد الرواية غرابة وحبكة ..
استفحلت الأقوال وحصل لصدقي وعبده إساءة شديدة في الحي والمنطقة ..
وتناهت الأخبار مشبوهة إلى شيوخ الحي وأفاضل سكانه ..
كان من هؤلاء الشيوخ البارزين والعلماء المعروفين ..
الشيخ عبد الحميد مصطفى ..
وكان قد درس العلم في الأزهر الشريف ..
حتى خيف على بصره من شدة طلب العلم ..
فتوقف عن الدراسة بأمر الأطباء واشتغل في المقاولات ..
فلقي في عمله توفيقاً ..
وقد اشتهر في حياته الخاصة بين أهل الحي بكرمه وكرامته وصدقه في معاملته وحسن عشرته للناس وصلاته ..
وطبعاً وصلته الأخبار المشوهة والشائعات السيئة ..
فاعتبرها عبثاً صغيراً من شباب غير مسؤول ..
وعدها استهانة من صدقي بكرامة أسرة محافظة ..
تعرضت بها سمعتهم للقيل والقال ..
وأنه لا بد أن يعاقب هذا المستهتر هو وصاحبه على ما اقترفاه في حق الفتاة وفي حق أسرتها،
باختصار شديد ..
دبر موعد للشيخ عبد الحميد حتى يحل هذه المشكلة وينقذ سمعة البنت وأسرتها ..
التي أساء إليها برفض الخطبة وإلغاء الزواج ..
وكان كلما حاول الشيخ مقابلتهما كانا يمعنان في الهرب منه ..
إلى أن أحكم الحصار وتمكن الشيخ من مقابلة صدقي ..
فلم يبق مفر من المقابلة والحساب ..
وأمسك الشيخ بيد الطبيب صدقي واقتاده إلى مكان معروف جلسا فيه لتصفية الحساب ..
وقال له:
كيف سمحت لنفسك ولزوجك أن تفعلا ما فعلتما؟
وأنت الآن طبيب مسؤول تؤتمن على خصائص الناس؟
بل إنك ربما عرفت بحكم تخصصك من أسرار الناس ما لا يعرفه غيرك؟
أية جناية هذه يا بني؟
وأي خطأ ارتكبته في حق أهلك وجيرانك من أجل صداقتك لهذا الكافر المارق؟
صبر الطبيب الناشيء صدقي لهذا ..
وكان يحترم الشيخ لسنه ومكانته وصداقته لأسرته ..
فقال له:
عفواً سيدي الشيخ فهلا سمعت القصة كما وقعت؟
فشهدت لي بالبراءة مما أثاروه حولي وحول زوجتي وصاحبي ..
وحسبي عقاباً لي في وساطتي ما وقع علي من ظلم في شائعاتهم..
قال الشيخ عبد الحميد: أجل أسمع منك ..
على ألا تقول غير الحق ولا تنطق بغير الصدق ..
وأنا أحذرك يا صدقي من محاولة خداعي فلست بالخب ولكن الخب لا يخدعني ..
قال : بل أصدقك القول يا عم وكل ما أرجوه منك أن توسع لي في صدرك حتى أتم حديثي ..
فنحن لم نجرب منك إلا العدل ..


(17)
شرح له صدقي القصة كاملة ..
فقال له الشيخ: ما اسم صديقك؟
قال: اسمه عبده إبراهيم ..
قال: وما كان اسمه قبل أن يشهر إسلامه؟
قال: عبده إبراهيم عبد الملك ..
قال: أفلا اتخذ اسماً جديداً يدل على فضل الله عليه أن هداه للإسلام؟
قال: هذه فعلاً واحدة من نظراته الخاصة ..
وقد نصحه بعض المحبين له وأنا منهم أن يتخذ له اسماً علماً شاهداً على إسلامه ..
فاعتذر إلينا بأن الإيمان الحق إنما هو ما يستقر في القلوب وتصدقه الأعمال ..
فلا يرى الإسلام أسماء ولا لافتات كعناوين الكتب والمتاجر ..
فقال الشيخ: لو تأتيني بصديقك في الغد؟
وبالفعل أتاه به في موعد اللقاء ..
وكان تعارف رائع أعقبته مقابلات مع الشيخ ..
وكان يحصل حوارات بين الشيخ عبد الحميد وبين عبده إبراهيم في كل مرة ..
وتنوعت الأحاديث والمناقشات والأبحاث العلمية ..
وكان الشيخ كل مرة يكتشف في عبده صفات جديدة من الصفات الطيبة ..
زاد التلطف من الشيخ والمحبة الوثيقة والمودة بينه وبينهما ..
وقد كان الشيخ يثني عليه ثناءً عطراً أمام صدقي ..
فلفت صدقي نظر عبده إلى ذلك ..
وقال له: إني أراك قادراً على كسب ثقة الشيخ ومحبته ..
ولئن كنت وصلت إلى هذا الحد من الود والثقة فإني لأرى لمشكلتك الكبيرة أحسن الحلول ..
فضاق عبده بهذه الإشارات البعيدة ..
فقال لصاحبه: كم من الوقت أضعنا في تأملاتك وفي الفروض والاحتمالات فأرجوك أن تفصح عما تريد أن تقوله ..
قال صدقي: إن للشيخ ابنة في سن الزواج، وهي كالتي طلبت في شروطك ..
ولئن قدر الله لك أن تحافظ على مودته واحترامه لك على ما أرى في لقاءاته الأخيرة ..
فإنه لا يرفضك خاطباً فيما أظن ..
فقال له: ما أراك إلا جننت، أي أمر هذا الذي يراودك ..
وعلى أي أساس يجوز لي أن أفاتح رجلاً فاضلاً كهذا في أمر مصاهرتي له ...

وبعد نقاش طويل ..
تقدم عبده خاطباً بنت الشيخ ..
وبدأت في حياته وحياة الشيخ صراعات ..
ما كان عندهم لها حساب ..


(18)

تسامع الناس أن القبطي صاحب قصة الزواج الأولى قد أوقع الشيخ عبد الحميد في حبائل سحره هذه المرة،
فحصل منه على وعد بالمصاهرة،
وكان لرب الأسرة على هذا العهد أهبة عالية،
لكن زوجة الشيخ ثارت عليه ثورة عارمة،
فتركت له البيت وانطلقت إلى أهلها غاضبة،
واجتمعت الأسرة بأصولها وفروعها،
وألح الجميع على الشيخ أن يراجع نفسه فيما صدر منه من وعد بالقبول،
وبدأت الشائعات تسري من جديد،
وتوافد الخاطبون ومعهم الشفعاء،
لإنقاذ الموقف بتعطيل هذه المصاهرة غير المتكافئة،
وضاق الشيخ ذرعاً،
فعجل بعقد القران والزفاف جميعاً،
وتم ذلك في ليلة أحاط بها الغموض والترقب،
وساعد على فتور المناسبة أنه حضر إليها منفرداً إلا من صاحبيه،
كذلك قاطعت زوجة الشيخ الحفل وهي أم العروس،
وجاملها أهلها فلم يحضر منهم أحد،
والشيخ حازم في ما قرره ماض فيما عزم عليه،
واتهم الناس الشيخ في عقله،
إذ كيف يقبل هذه الصفقة وهو من هو من رجحان العقل والبصيرة،
لكن الهدوء المشوب بالقلق ما لبث أن عاد للحي،
بعدما تبين أن الشيخ قد أنفذ وعده ووفى بعهده وزوج ابنته للطبيب الشاب عبده،
بل إن الناس كادوا ينسون ما حدث بعد سفر الزوجين إلى مقر عمل الطبيب حيث مسكنهما

مرت سنة كاملة ..
وكانت العادة أن المرأة إذا حملت تعود إلى بيت أهلها حتى تقوم والدتها بعنايتها عند الولادة ..
وولدت زوجة عبده الوليد الأول ..
وما كان اليوم الأول ينقضي حتى حضر الطبيب الشاب يهنؤها بولادتها ..
وقد جلب لها من الهدايا كل جميل ..
ولمولوده من الملابس واللعب كل نفيس رائع ..
عاد بزوجته إلى المنزل ومضى ليسجل في سجلات الحكومة واقعة مولوده الأول ..
ثم ما لبث أن عاد إلى بيته بشهادة ميلاد ابنه ..

عيـــــــــــــــسى ..

وأقبل على زوجته يرشدها إلى ما ينبغي عليها عمله من احتياطات ..
وانصرف إلى عمله بعد أن اطمأن على زوجته وولده ..
و جاء الشيخ ليطمأن على ابنته وولده ..
فأخبرته بحضور عبده وانصرافه بعدما أثبت اسم الوليد في السجلات ..
وسألها أبوها في فرحة ..
فماذا اختار لابني من الأسماء ..
فأجابته ابنته دون وعي :

عيسى ..

لكنها رأت من أبيها أمراً عجباً ..
إذ ما لبث حين سمع الاسم أن ضرب كفاً بكف ..
وقد تغير لونه وتقطب جبينه ..
وظهر الغضب الشديد عليه وهو يقول:

عيسى عيسى ..

وا عجباً لهذا الرجل ..
أو لم يجد في كل الأسماء التي خلقها الله اسماً جديراً بهذا المخلوق إلا هذا الاسم ..
أستغفر الله العظيم .. أستغفر الله العظيم .. أستغفر الله العظيم ..
وانطلق من عند ابنته وهو يقول:
لا حول ولا قوة إلا بالله ..
وأحست ابنته أن أمراً عظيماً قد حدث ..
وأن خطأ لا يمكن إصلاحه قد وقع ..
فما هكذا رأت أباها على طول ما عاشت ورأت ..
وباتت فريسة لأفكارها وهواجسها ..
أما الشيخ فقد اعتكف في داره أياماً لا يرى فيها أحداً ..
وأما زوجته فقد كانت تغالب دموعها ..
فقد تحقق للجميع أخيراً ..
ظنها البصير بهذا الطبيب وألاعيبه ..
وكانت إذا همت بالدخول على ابنتها ..
كفكفت دموعها حتى لا تفجع ابنتها بما أسلمها أبوها له من مصير..
وما جناه عليها بعناده وغفلته ..
وانخداعه بأساليب هذا الطبيب الذي سحره ...
وفي اليوم السابع أضيئت الشموع ذراً للرماد في العيون ..
وتمويها على الأم البائسة التي ارتبطت بزوج قيل أنه أسلم بل وحسن إسلامه ..
فإذا به يعلن في غير حياء ولا مواربة ..
أنه ما زال مخلصاً لماضيه ..
ولدينه القديم ..
وإلا .. بماذا نفسر اختياره لاسم عيسى اسماً لولده ..
ولم يكن اليوم السابع هذا ينقضي ..
حتى غرقت أسرة الشيخ في موجة من الهم والحزن فوق الذي كان قد تجمع لها من قبل ..
ذلك أن بشيراً من أسرة الطبيب عبده ..
جاء من حي الظاهر ..
يهنيء الشيخ بمولود عبده الجديد .. عيسى ..
ولم يكن بين أسرة الشيخ وأسرة عبده سابق ود ولا اتصال ..
وقد كانت لهذه التهنئة منهم معانٍ غير خافية عليه ..
لكن الشيخ تماسك واصطنع الثبات اصطناعاً ..
حتى كان الغد ..
فخرج من الفجر ليلحق بالطبيب عبده في داره ..
قبل أن يغادرها إلى العمل ..
فإن له معه شأناً ..


(19)

حين فتح الطبيب باب داره للشيخ ..
فوجيء به يغلق الباب بعنف خلفه ..
وهو يمسك بتلابيبه ..
ويقول له :
ما هذا الذي فعلت بابنتي أيها الزنديق ؟..
والله لا أفلتك من يدي حتى أعلم حقيقتك ..
وقد سكتنا عن التزامك اسمك رغم اعتناقك الإسلام ..
وكان يجب أن تغيره إلى ما يدل على إسلامك ..
ولقد أحسنا الظن بك وبما سقته من حجج ..
كانت تبدو لنا صادقة يوم نطقت بها ..
أما وقد انكشف أمرك الآن بتسمية ولدك عيسى ..
فاعلم أن اختيارك لولدك هذا الاسم ..
له من المعاني ما لا يخفى على أحد ..
ولقد كنت أعالج نفسي بالتصبر حتى ألقاك ..
إلى أن جاءنا بشير من عند أبيك ..
يحمل التهاني التي تنطوي على سخرية أبيك بعقولنا ..
وشماتته بمصير ابنتي المسكينة ..
التي جنيت عليها حين قبلت زواجك بها ..
فتكلم بالحق وإلا قتلتك شر قتلة ..
ورأى الطبيب أن الشيخ يهدر غاضباً ..
والدماء تندفع إلى جبينه حمراء قاتلة ..
والشرر يتطاير من عينيه ..
يشير إلى ما في صدره من غليان براكين الثورة ..
فبقي بين يدي الشيخ هادئاً ساكناً حتى تمر العاصفة ..
لكن حالة الشيخ كانت تنبؤ أنه قد انتوى أمراً خطيراً ..
وأنه قد يرتكب جرماً وحشياً تحت وطأة إحساسه بخيبة الرجاء ..
إذ كان يبدو عليه أنه استنفد من الجهد ما أضناه ..
وأنه سيتصرف مع الطبيب تصرف اليائس منه ..
فبادره الطبيب قائلاً :
ياعم ..
أقسم لك أن الأمر كما علمته من حسن إسلامي ..
ولقد أكرمتني بإحسانك إلي إذ قبلت مصاهرتي لك ..
فكيف تصورت في نفسك ما نطق به لسانك الآن ..
وهل تظن أن ما جرى لي بسبب إسلامي ..
وملاحقة أهلي لي .. بالتهديد والويلات والأذى ..
وطردهم لي من دار أبي ..
وهجري لأهلي ..
ولجوئي إلى الحق والهدى ..
كان كله تمثيلا وعبثاً ..
وهل قدمت لي منذ عرفتك إلا الخير والعون والحب ..
فكيف تظنني أسيء إليك أو أجني على ابنتك ..
وإذا كان ذلك مما يجوز لي وأنا على غير سبيل الحق ..
فكيف أجيزه لنفسي ..
وقد عرفت الله ورسوله والقرآن ..
يا عم ..
إن كنت أردت – بعد ما قلته لك والله على ما أقول شهيد –
أن تزيدني إيماناً ..
فها أنا ذا بين يديك ..
ما تغيرت وما استبدلت ..
فأنت صهري وعمي وأبي وأهلي ..
وليس لي الآن بعد ولدي من هو أقرب إلي منك ..
وستجدني طوع أمرك فيما تظنه صواباً ..
وسأقبل حكمك أياً كان ..
فهلا منحتني بعض ما قد يكون بقي عندك من صبر ..
لعلي أحدثك بما بقي عندي من حكمة اختيار اسم عيسى لولدي ..

كانت لهجة الطبيب هادئة ..
رغم ما صبه عليه صهره من لوم وتقريع ..
ورغم شناعة الصورة التي رسمها صهره ..
من فزع أحاط الأسرة .. وأحداث جسام توشك أن تعصف بالجميع ..
فلا الطبيب ناجٍ بصورته هذه ..
ولا أصهاره سعداء بما يمكن أن يحدثوه به من انتقام لسمعتهم ..
التي ألحق بها خزياً ما بعده خزي ..
رغم كل ذلك .. قال له الشيخ :
تكلم وقل ما عندك ..
ولا تخفي عني شيئاً ..
ولتعلم أنك قد ألقيتني في الجحيم ..
جزاء صنيع المعروف معك ..
فابتسم الطبيب وهو يقول :
كأنك لا تريدني يا عم أن أتكلم ..
قال : بل ها أنا ذا مصغٍ إليك ..
واعٍ لما ستقول .. والله وحده يعينني على ما أنا فيه ..
قال الطبيب الناشيء:
إن بيني وبين ربي عهداً لا يعلمه إلا هو ..
وإني أسير على الدرب لا أحيد ..
وما وجدت من ربي إلا الفضل يتلوه الفضل ..
وفي ظني والعلم عند الله جل شأنه ..
أن هذا الحادث الذي أفزعكم حتى آذيتموني ..
هو أكبر نعمة من بها الله علي بعد نعمة الإسلام ..
تمتم الشيخ في صوت حزين:
أكبر نعمة .. تقول أكبر نعمة ..
اللهم إنك أنت السلام ومنك السلام .. اللهم أفرغ علينا صبراً من عندك .. ولا حول ولا قوة إلا بالله ..
عاد الطبيب يقول:
نعم .. قد يكون هذا التتابع في الأحداث بشيراً لي ..
بأن الله قد سمع لدعائي فاستجاب ..
فله الحمد في الأولى والآخرة ..
ثم استطرد يقول ..
إنني يا سيدي .. حين تمسكت بنفسي – بعد إسلامي- بالاسم ..
الذي كان قد اختاره والدي ..
وهو كما تعلم : عبده ..
تعلق رجائي بأن يمتد بي الأجل ..
حتى أكون كفؤاً لزوجة صالحة من بيت طيب ..
وأن أرزق منها مولوداً يكون أول أولادي ..
وأن أدعوه : عيــــــــــسى ..
وها قد تحقق الرجاء بفضل من الله ونعمة ..
وقاطعه الشيخ محتداً :
وأي فضل تريدني أن أراه فيما ذكرت ..؟
فارتفع صوت الطبيب الشاب في نبرة تشبه الغضب .. وقال :
يا سيدي .. صبراً .. فما أتممت الكلام بعد ..
وأنت ترى أن هذه الأمور التي وقعت .. لا تستوقف نظرك ..
ولا تثير فيك عجباً ..
أما أنا .. فقد رأيت هذه الأمور قبل أن تقع .. آمالاً ..
ترتفع يداي في كل لحظة بسببها إلى السماء بالدعاء ..
آمالاً .. سهرت من أجلها الليالي الحالكة ..
التي أحاطت بي لبضع سنوات مضت ..
وإن الله الذي أنعم علي بهذا كله ..
لأكرم من أن يرد ما بقي لي من رجاء عنده..
قال الشيخ : وما هذا الرجاء؟
قال الطبيب:
إنه إن شئت رجاء ..
وإنه إن شئت عهد وميثاق .. إذا نحن أمعنا النظر ..
فلقد كنت عاهدت ربي ..
إن هو رزقني بصبي .. لأحرصن على تنشئته تنشئة صالحة ..
ولأدعون له بطول العمر ..
وبالتوفيق إلى ما فيه رضا الله ..
وبأن يكون له في حياته ومن بعد مماته ..
أحسن الذكر على ألسنة العباد ..

ضاق الشيخ ذرعاً باستطراد هذا الطبيب الحدث في سرد أحلامه ..
فقاطعه قائلاً:
وأي والد لا يرجو لولده مثلما رجوت وأملت ..
وأية صلة بين هذا الرجاء .. وذلك الميثاق ..
وبين اختيار المسيح عيسى ابن مريم ليكون علماً على ولدك ليكون خيراً كما تقول ..
قال: يا عم ..
إنني لا أحصي ثناءً على ربي ..
ولا أقدر على حمده كفاء ما أنعم به علي ..
ولذلك جعلت من وجود هذا الولد ..
شهادة تنبض بالحياة ..
ما بقيت له الحياة ..
بأن (عيسى) .. (عبده) ..
وماهو بولده ..
وما هو بالإله .. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ..
فكلما ذكر ولدي الذاكرون غائباً أو حاضراً ..
حياً أو ميتاً ..
كان ذكرهم هذا شهادة مني بين يدي الله عز وجل ..
بأن عيسى عبده ..
وما هو بولده ..

ولقد استجاب ربي لأول الدعاء ..
وهاهو الولد الصغير حقيقة ماثلة بين يدي ..
وشهادة مني بما آمنت به ..
وإن الذي أسبغ علي هذه النعمة الكبرى ..
لقادر على أن يمد في أجله ..
وأن يهديه سواء السبيل ..
حتى يكون أهلاً لهذه الشهادة ..
التي فرقت في حياتي بين ضلال كنت فيه ..
وهداية أرجو أن تزيد ..
ياعم ..
إن الغيب من ضنائن الرحمن ..
وإنا لاندري أيكون هذا الصبي صالحاً أم غير صالح ..
ولا ندري هل كتب له من العمر ما يطول .. أم كانت الأخرى ..
ولكنني أعلم من الله أنه ما خذلني ..
ولا أسلمني لأمر لا أحبه ..
منذ سرى في أطرافي هذا الشوق من الوضوء أول مرة ..
وأنا بعد صبي لا أميز بين عقيدة وأخرى ..

يا عم ..

إذا فرغت من الشهادة بتسمية عيسى التي أرجو أن تكون شفيعي عند الواحد الأحد ..
على نحو ما عاهدت ربي ..
فأي الأسماء بعد ذلك يتمم الشهادة ..
وهل هناك من اسم يذكر بعد شهادة ألا إله إلا الله .. سوى محمد رسول الله ..
لذلك فإني أرجو من الله أن يكون حفيدك الثاني ...
(محمد عبده) ..
ثم ضحك قائلاً :
إن زوجتي لولود .. وإن غداً لناظره لقريب ..
قال له الشيخ :
انصرف إلى عملك يا رعاك الله ..
وإنني عائد إلى حي السيدة زينب ..
والله يعلم بما أنا فيه ..
إنك تعيش في جو من الصفاء ..
لا تعيش فيه كثرة الناس ..
وإن أعمالك وأقوالك لا يفهمها .. إلا من أنار الله بصيرته ..
وحاط بدين الله من كل جوانبه ..
وما أقل هؤلاء في زماننا ..
لكنك يا عبده ..
قد أتعبتني منذ عرفتك ..
ولا إخالك إلا هكذا ما حييت ..
عفا الله عنك يا بني ..
ثم شد الشيخ على يد صهره مودعاً .. وهو يقول :
على إني لا أضيق بيوم التقينا فيه ..
ولا أتمنى الآن غير الذي جرت به المقادير ..
ثم انصرف ..


مرت الأيام ..
ورزق الله عبده ولده الثاني .. محمد ..

ولم يكن الخواجة إبراهيم قد رأى يوماً أشد عليه من يوم الأحد ..
الذي أعلنت فيه الكنيسة خروج عبده عن حظيرتها ..
وقرر فيه رجال الكنيسة طرد ولده الأكبر من رحمة يسوع ..
وبقيت صورته حاضرة أمام ناظريه ..
وهو يهرول مسرعاً إلى خارج الدار ..
والجميع يلاحقونه باللعنات والتهديدات ..
حتى جاءه الخبر بأن ولده عبده ..
قد سمى ولده الثاني محمد ..
فكانت القاضية على ما كان بقي عنده من أمل ورجاء ..

وفي يوم من الأيام .. عام 1909 ..
والأسرة الصغيرة في حياتها الوادعة ..
على مقربة من السجن ..
والوقت بعد الظهيرة ..
والحر قائظ ..
والطبيب قد أنهى عمله .. وعاد إلى داره ..
وإذا بواحد من مساعديه .. يصعد الدرج مسرعاً ..
ويقترب منه ..
ويهمس في أذنه كلاماً ..
وبدا على وجه الطبيب أنه لا يصدق ما سمع ..

(20)

في يوم من الأيام .. عام 1909 ..
والأسرة الصغيرة في حياتها الوادعة ..
على مقربة من السجن ..
والوقت بعد الظهيرة ..
والحر قائظ ..
والطبيب قد أنهى عمله .. وعاد إلى داره ..
وإذا بواحد من مساعديه .. يصعد الدرج مسرعاً ..
ويقترب منه ..
ويهمس في أذنه كلاماً ..
وبدا على وجه الطبيب أنه لا يصدق ما سمع ..
ورفع الطبيب صوته قائلاً:
وأين هو الآن .. ؟
قال إنه يقف بباب الدار ,,
ونزل الطبيب الشاب مسرعاً من فوره ..
وعاد ومعه ضيف من القاهرة ..
كان هذا الضيف هو الخواجة إبراهيم .. والد الطبيب ..
وقد وصل فجأة .. بعد قطيعة تامة ومتصلة ..
منذ كان ولده في فترة الامتياز بالقصر العيني ..
فانسحبت الزوجة والمربية والطفلان إلى داخل الدار ..
وبقي الطبيب وولده .. لا يجدان عندهما ما يقال ..
بعد أن كانا قد تبادلا التحية والمجاملة في اقتضاب ..
قال الطبيب:
كيف أنت يا أبي .. وكيف حال أمي وإخوتي ..
وإذ هم الوالد بالجواب .. احتبست الألفاظ في صدره ..
واعتمر رأسه بين يديه لحظة ..
ثم انهارت بقية المقاومة .. التي كان يعانيها منذ وقت طويل مضى ..
فانفجر ينتحب كالثاكلات ..
ولم يحاول ابنه أن يمنعه ..
بل تركه برهة .. وأخلى له المكان حتى يفرج عن نفسه وهمومه ..
وأقبل عليه حين عاوده الهدوء ..
وقال ماذا بك يا أبي ..
وكيف أمي وإخوتي ..
قال:
إنهم بخير نحمد الرب ..
ولكن أباك هو الذي على حافة الهاوية ..
قال: هون عليك وأشركني فيما يؤودك حمله ..
لعلي أكون في عونك ..
قال: لهذا جئت إليك ..
ولا أخفي عنك أنني ما سعيت إليك ..
إلا بعد أن انسدت الدنيا كلها في وجهي ..
وكادت الفضيحة أن تحطم حياتي ..
ثم سكت لحظة .. عاد بعدها يقول .. وقد تهدج صوته من جديد ..
يا عبده ..
إن البيت الذي ولدت فيه ونشأت ...
حتى أتممت معظم دراسة الطب ..
هذا البيت الذي يؤوينا ويتسع لأسرتنا كلها ..
سيباع في غد بأبخس الأثمان ..
أمام دائرة البيوع بالمحكمة ..
وفاء لدين كان للبنك صغيراً ..
ولكن الفوائض ضاعفته ولله الأمر ..
وأختك يا عبده .. أختك ماريبوه .. ابنتي الكبرى ..
سيكون زواجها بعد أسبوع واحد ..
ولا أعلم كيف أواري فضيحتي المالية ..
وطردي من بيتي عن أصهاري الذين يحسنون بي الظن ..
ومن أجل ذلك جاءوا للمصاهرة ..
وأي مصير سيواجه شقيقاتك الأخريات ..
إذا ما خاب زواج الأولى بسبب إعلان إفلاسي ..
وأظلمت الدنيا في وجهه .. وخارت قواه ..
فعاد يبكي وينتحب .. في مرارة شديدة ..
وسأله ابنه: كم تبلغ القيمة ..
قال: ثمانمائة جنيه ..
والبيت كما تعلم يساوي أضعاف هذه القيمة ..
ولكن جو البيع يسوده ألوان من المناورات والاحتكار البشع ..
وإن موظفي البنك أنفسهم يحيطون هذه البيوع بإجراءات جهنمية ..
تضمن لهم تسيير البيوع على هواهم ..
قال الطبيب: إن هذا لعجيب ..
أو ليست المحاكم تقوم من اجل العدل ..
قال أبوه :
يا بني .. إنك تعيش في برجك العادي بعيداً عما يدور في الأسواق من ظلم وفساد ..
إن الدين يا بني يكفي للإطاحة بثروة كبيرة ..
وبخاصة إذا مال الأمر لدائرة البيوع ..
ومن حوله زبانية يتسمعون الأخبار .. و يتحايلون على كل واحد في المزاد حتى ينسحب ..
قال الطبيب :
لماذا لا ندفع جزءاً من الدين .. ثم نفكر كيف نتدبر أمر التصفية الشاملة ..
قال الوالد :
يا بني يا عبده ..
قلت لك أن هذا كله قد فات أوانه ..
إنني أواجه حكماً بنزع الملكية وفاءً لدين مقداره كذا وكذا ..
عفواً يا بني ..
لقد أفسدت عليك وقت الراحة ..
والجو شديد الحرارة ..
ولكن العذر واضح لك ..
ولي معك كلمة أخيرة ..
أقولها وأنا واثق من أن جميع إخوتك ..
يؤيدونها راضين ..
وأنت يا عبده أولى من الغريب ..
فتعال معي في جلسة البيوع .. واشتر أنت البيت .. قبل جلسة المزاد ..
لقاء دفع قيمة الحكم كاملة ..
فلا يضع الغريب يده على دارنا ..
ويسيء إلى أبيك وسائر أفراد أسرتك ..
وأنت لن تلقي بأهلك إلى الطريق ..
إن قصروا في دفع الإيجار ..
قال الطبيب : لا عليك ..
اصبر يا والدي .. وائذن لي بتركك برهة صغيرة ..
ودخل إلى حجرته الخاصة ..
ثم عاد يحمل شيئاً في يده ..
ودفعه إلى أبيه .. وقال هذه ثمانمائة جنيه ذهباً ..
هي لك يا أبي فتصرف فيها كيف تشاء ..
دهش الوالد من هذا التحول من الجدال إلى الفعل الناجز ..
وسأل في تكرار ..
والدار؟ متى تحضر لإكمال اجراءات نقل ملكيتها إليك؟
قال: لا حاجة لي بها ..
إلا أن تبقى داراً لك انت ..
أنت والد الجميع .. ومن مركزك في الظاهر وفي الجمالية ..
تستمد الأسرة كلها تقدير الناس ..
وإني ليسرني ان تبقى محل ثقة الناس واحترامهم ..
وضع الوالد كيس المال بجواره على الأريكة ..
وأطرق وهو يقلب عصاه بين يديه ..
ويقول في صوت خافت تتجاوب فيه أصداء من الشعور بالخجل والصغار:
ماذا صنعت بك وأنا قادر عليك ..
وماذا صنعت معي وأنت قادر علي ..
وتساقط الدمع من عينيه في صمت ذليل ..
حتى رق له قلب ولده فبكى لبكائه ..
وانصرف الخواجة إبراهيم بالمال ..
ونجا من ضائقة كادت تعصف به ..
وعاد الطبيب إلى داره بعد فترة قصيرة ..
قضاها في وداع أبيه إلى أن تحرك القطار ..

كان الطبيب منهكاً وهو يعود إلى بيته ..
وفي الطريق كان يمني نفسه بساعة من نوم عميق ..
ولكنه أخطأ الحساب وأسرف في الأمل ..
فما إن دخل داره التي تركها من برهة قصيرة ..
وغادرها وهي هادئة ساكنة ..
حتى سارت مسرحاً لأحداث غريبة تجري سراعاً ..

(21)

ما إن دخل الطبيب داره التي تركها من برهة قصيرة ..
وغادرها وهي هادئة ساكنة ..
حتى سارت مسرحاً لأحداث غريبة تجري سراعاً .
فها هو يرى المربية .. عاكفة على صرة ضخمة من لوازم الدار ..
وملابس الصغار والكبار ..
تلفف شيئاً من فوق أشياء ..
وبجانبها صرة أخرى فرغت من شد وثاقها ...
والصغيران قد وضعا في ثياب الزينة والزيارات ..
وزوجته تذهب وتجيء في ركن من الدار إلى درج يؤدي إلى السطح ..
وهو يراقب الأمر صامتاً ..
حتى رفعت الزوجة ابنها الصغير على ذراعها ..
وأمسكت بيد الولد الأكبر ..
وحملت المربية صرة بعد أخرى ..
واستعد الركب للرحيل ..
وتقدمت الزوجة نحو الباب وهي ثابتة على صمتها ..
وفي عينيها أثر واضح لدمع تغالبه ..
وجاءت المربية من خلف سيدتها ..
والطبيب الذي أنهكه عمله طول اليوم ..
ومن بعده لقاؤه المثير لأبيه ..
ساكت في ضيق وصبر ..
فإن الوقت لم يكن مناسباً لإعلان الغضب ..
تقدم مدخل الدار .. واعترض سبيل زوجته وهي توشك أن تنطلق ..
فتوقف وقال: إلى أين؟
ولا جواب .. والصغير على كتفها ..
والمربية تحمل الصرات ..
والزوج لا يتحول عن مدخل الدار ..
ولا يسمح لزوجته بالخروج ..
وهذه حال لا يطول الصبر عليها ..
فهبطت الأحمال التي على رأس المربية إلى أرض الصالة ..
وتقدمت الزوجة من زوجها قائلة :
ابتعد ولا تعترض طريقي ..
قال: حتى أعرف إلى أين ؟
قالت: كنتُ واهمة كما أنت واهم الآن تماماً!!
قال: كيف ؟
قالت : إن ما بيننا قد انتهى ..
قال : وما الأسباب ؟
قالت: ما من سبب ولا غضب ..
يكفي أن تعلم بأنك مجنون .. وأنا لا أعاشر المجانين ..
لم يكن الطبيب قد سمع من زوجته الوديعة المهذبة كلاماً كهذا في أشد الأيام التي مرت بهما ..
وبدا له أنها في حالة من الثورة النفسية ..
التي لا يؤمن معها نقاش ولاحوار ..
ولذلك لجأ إلى الحكمة ..
وخلّى بينها وبين مدخل الدار ..
وقبع في زاوية على أريكة يراقب التطورات ..
انفجرت براكين الغضب الكامن في أعماق الزوجة ..
وأغراها سكون الطبيب ..
فسألته في حدة : أعرّفك لماذا أنت مجنون؟
إنك تصبح وتمسي ولا تذكر إلا الموت ..
ولا حديث لك إلا عنه ..
وأنه قريب من الآدمي ..
وكلما خلوت بي .. أوصيتني بولديك خيراً .. إذا سبقت المنية إليك ..
فكيف يا ترى تحقق وصيتك فيهم ..
إن كنت تتلف المال بهذه الطريقة ..
أما علمت أن هذا المال هو حصاد تدبيري طوال سنوات انقضت من عمرك ..
في المهنة والوظيفة جميعاً ..
ثم سكتت تغالب دمعها حتى ملكها الغضب من جديد ..
فقالت: وإلى من دفعت المال؟..
إلى من يحترم أصهارك ويحب ولديك؟ ..
إلى من يؤتمن على تربيتهما من بعدك ؟..
إذا وافاك الأجل صغيراً كما تظن ؟..
ثم أقبلت على زوجها .. وجلست في مواجهته وعلا صوتها ..
وهي تقول:
لقد نظرت في خزانتنا ..
فما وجدت إلا حفنة من الدراهم ..
وكل ما عندنا من مال للزمن ذهب به أبوك؟ ..
فمن أبوك هذا ؟ ..
لماذا لم يتذكرك إلا حين أظلمت في عينيه الدنيا؟ ..
وسدت في وجهه أبواب الخلاص ..
أوليس أبوك هذا هو الذي طردك من الدار ليلاً كما تقول ؟..
أو ليس هو الذي أغرى بك الكنيسة ليطاردوك .. ويلاحقوك بالأذى وسوء السمعة ..
أو ليس هو الذي قاطعك خمس سنوات أو تزيد ..
ولا يعلم شيئاً من أمرك .. إلا أن يكون شامتاً بك ..
أو ساخراً من أبي الذي آواك .. وزوجك من ابنته ..
واستمرت الزوجة تثير له شديد التقريع والتأنيب ..
في غضبة جامحة ..
والطبيب يتذرع بالصفح .. ويلوذ بالصمت ..
وعلى حين كانت الزوجة لا تزال ترميه بحمم الغضب ..
كان هو يتفكر في اللقاء الذي كان بينه وبين أبيه ..
وقد شعر بأن حق الوالد كان مرعياً في هذا اللقاء ..
ولكن ترى ما حال الحقوق الأخرى التي لأولاده عليه ؟..
تأمل الطبيب موقفه من جديد ..
وهو يسائل نفسه ..
ترى .. هل أصبت في هذا التصرف ..
أم أنني قد أصبت في شيء واحد على حين غابت عني أشياء ..
وذهبت الزوجة بعد ذلك .. غاضبة إلى بيت أبيها ..
وتركته وحيداً ..

وبعد ثلاثة أيام ..
دخل عليه صهره الشيخ عبد الحميد ..
ومعه الأسرة الصغيرة والمربية .. تحمل في العودة أضعاف ما حملته عند مغادرة الدار ..
ودخلت الزوجة .. وهي تحمل ابنها الصغير ..
وتمسك بالكبير .. وتتجه نحو غرفة النوم ..
في صمت وخجل ..
وهي تتجنب النظر إليه ..
وتختصر في رد المقال عليه ..
وانسحبت ومن معها بعد ذلك إلى الداخل ..
وبقي الشيخ والطبيب يتحادثان ..
قال الشيخ: ما عرفت عن ابنتي أنها كاذبة أبداً ..
وإني لأحمد الله على ذلك حمداً كثيراً ..
ولقد قصت علي كل ما جرى بينكما في الأيام الأخيرة ..
وذكرت لي ما وجهته إليك من أقوال وأفعال ..
وتصرفك معها ..
ورأت بعد أن سكت عنها الغضب أنها أخطأت من الألف إلى الياء ..
قال الطبيب :
ما أظنها قد جرأت يا عم .. أن تنقل إليك ما ألقته في وجهي من قصائد المديح والثناء!!..
قال الشيخ:
إنني لا أستبعد برغم فقهها ..
أن تكون قد اقتصرت حياء مني حين أحست بخطئها ..
وعلى أي حال ..
فلقد كان القدر الذي ذكرته لي .. كافياً لإدانتها ..
والحكم ببراءتك ..
وما بك الآن حاجة إلى أحصاء المزيد من الوقائع ..
وفي حالتك .. فأنت أدرى الناس بما حدث ..
ثم إن والدك قد قاطعك لسنوات طويلة ..
ولم يظهر فجأة في حياتك وحياة أولادك ..
إلا ليستدر عطفك عليه وعلى أولاده فيما يمر به من محنة ..
فبأي حق يطلب منك النجدة ..
ولماذا جاء الآن فقط يطلب منك أن تنقذ بيته ومستقبل ابنته ..
وهو يعلم أن الدين قد فرق بينه وبينك ..
وأنك لن ترثه هو ولا أمك .. ولا أحد من سائر إخوتك ..
كان الطبيب مطرقاً برأسه وهو يستمع ..
ثم رفع رأسه وهو يقول:
لقد أحسنت إلى أبي ياعم .. لحق الوصية التي فرضها له الملك الديان ..
وبحق القرآن الذي آمنت به ..
وجعلته دليلي إلى طاعة خالقي الذي هداني ..
أو ليس قد جاء في القرآن قوله تعالى:
{وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ - وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }لقمان 14 -15
قال الشيخ: بلى .. وصدق الله العظيم ..
قال الطبيب: أو ليس قد جاء في الكتب المحكم قوله تعالى:
{وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }العنكبوت8
قال الشيخ: بلى .. وصدق الله العظيم ..

وساد الصمت بينهما برهة ..
تدبر كل منهما معاني الآيات الكريمة .. وأهدافها النبيلة ..
ثم ما لبث الطبيب أن قال:
إن هذه الآيات .. يتلوها كل مسلم .. ويؤمن بها كل مهتد ..
وما في ذلك من ريب ..
ولكن حدثني بربك يا عم ..
فأنت رجل علم وتجربة ..
ألست ترى أن هذه الآيات تأخذ بناصيتي وبناصية كل عبد هداه الله ..
من بين فئة كبيرة على الضلال ..
فلقد جاهداني .. وأشهد الله ..
ولعل أبي كان أشد قسوة ..
لكن أمي كانت تراقبني ..
وتجعل من يراقبني ..
وتغري بي أبي .. وإخواني وإخوتي ..
ظناً منها أن في هذه الملاحقة الخير لي ..
ثم فرضت الأيام بيننا الحجاب ..
وما أظنني على صواب فيما قد كان بيننا من قطيعة ..
لأن الله جل وعلا يقول : { وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً }لقمان15
فأي معروف هذا ..
وأنا لم أصاحبهما ..بل كنت وكانوا يصرون على قطع ما بيني وبينهما ..
وأي صنيع سيء قد صنعت ..
لو أنني تركت أبي يعود من زيارته لي ..
ولم أنقذه على حين ظل المال راكداً في خزانتي ..
أتظن يا عم أن المال ..
هو الذي يصلح من شأن العيال .. بعد فقد عائلهم ..
أعتقد أنك تعلم أن الأمر على خلاف ذلك ..
أما الحق فهو ما أنبأنا به القرآن ..
حيث يقول سبحانه في سورة الكهف:
{ وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً }الكهف82

ألا ترى معي يا عم ..
أن مجيء أبي إلى داري خاصة ..
بعدما سمع بمولد محمد ..
قد كان من جانبه .. كركوب أشد الأهوال وأقساها ..
الا ترى أن مجيئه إلى بيت ولده الذي عرف حقيقة أمره ..
هو نصر لي من عند الله ..
إنني لا أنكر أن التصرف الذي صدر عني قد مس حقوق ولدي وزوجتي ..
ولكن المغامرة .. كانت قضاء لا مفرمنه ..
ولكننا يا عم ..
إن يكتب الله لنا عمراً ..
فسننظر فيما تأتي به المقادير .. إن شاء الله تعالى ..
قال الطبيب ذلك وقد اعتزم في نفسه أمراً ..

(22)
نهض الشيخ يريد الانصراف ..
بعدما سمع من دفاع ابنه الطبيب الشاب ..
وإذا بابنته تعترضه ..
وتتشبث به لتطيل بقائه ..
ورفع الشيخ عصاه في وجه ابنته ..
لكن الزوج كان قد أسرع إليه ..
وقال له:
ما هكذا يا عم .. علمتنا أن يكون الإقناع ..
قال الشيخ لابنته :
اسمعي يا هذه .. إنك هوجاء لا تعقلين ..
إنك لا تعرفين قدر هذا الرجل الذي معه تعيشين ..
فاحمدي الله أن رزقك بمثله ..
ولتحذري بعد اليوم أي إساءة له ..
أو سوء فهم لراشد تصرفاته ..

كان هذا الموقف فاصلاً بين عهد لا يخلو من قلق وارتياب ..
وعهد جديد ساده الاطمئنان ..
إلى حسن إسلام الطبيب وصدق إسلامه ..
وزاد الطبيب اقتراباً من الأسرة ..
ومن كل الناس ..
واتجه إلى الخروج من عزلته التي كان قد ضربها على نفسه ..
وارتاح لها في خدمة السجون ..
فالتحق بوزارة الصحة ..
وأنجب ولدين آخرين ..
هما محمود .. وإبراهيم ..
وبقي طبيب أحد المراكز ., لأربعة أعوام ..
ثم حملت زوجته من جديد ..
فقال هو : علي أو علية ..
فكانت علية ..
التي توفي عنها أبوها وهي طفلة عمرها شهران ..
وكانت جيوش الحلفاء الكبرى .. تنتقل في بعض مواقع محافظة الشرقية ..
وكان قد انتشر بين الجنود .. وباء التيفوئيد ..
فانتقلت العدوى إليه أثناء عمله في المخيمات ..
وأحس الطبيب الشاب بدنو الأجل ..
فقد كان رحمه الله صالحاً شفاف البصيرة ..
وكأنما خاف على زوجته وأولاده مما سيلاقونه ..
لو وافته المنية بعيداً عن الأهل ..
فحزم حقائبه .. وأغلق داره ..
واصحب زوجته وخادمه وأولاده ..
وشغل إيواناً مستقلاً بالقطار ..
حتى لا تنتقل العدوى منه إلى غيره ...
حتى وصل إلى منزل صهره الشيخ الفاضل .. عبدالحميد مصطفى رحمه الله ..
لكن إخلاص صهره .. وسهر زوجته ..
وصغر سن أولاده ..
ومهارة معالجيه من الأطباء ..
لم تفلح جميعها في تأخي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://aram112.arabfoot.net
 
قصص ابن خواجه 2
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
بافي فالي :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: